الذهبي
170
سير أعلام النبلاء
الأولياء ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن يلهمه ذكره " فقلت بهذا : إن إلهام الذكر أفضل من الكرامات ، وأفضل الذكر ما يتعدى إلى العباد ، وهو تعليم العلم والسنة ، وأعظم من ذلك وأحسن ما كان جبلة ( 1 ) وطبعا ، كالحلم والكرم والعقل والحياء ، وكان الله قد جبله على خلق شريف ، وأفرغ عليه المكارم إفراغا ، وأسبغ عليه النعم ، ولطف به في كل حال . قال الضياء : كان الموفق لا يناظر أحدا الا وهو يتبسم . قلت : بل أكثر من عاينا لا يناظر أحدا إلا وينسم ( 2 ) . وقيل : إن الموفق ناظر ابن فضلان الشافعي الذي كان يضرب به المثل في المناظرة فقطعه . وبقي الموفق يجلس زمانا بعد الجمعة للمناظرة ، ويجتمع إليه الفقهاء ، وكان يشغل ( 3 ) إلى ارتفاع النهار ، ومن بعد الظهر إلى المغرب ، ولا يضجر ، ويسمعون عليه ، وكان يقرئ في النحو ، وكان لا يكاد يراه أحد إلا أحبه . إلى أن قال الضياء : وما علمت أنه أوجع قلب طالب ، وكانت له جارية تؤذيه بخلقها فما يقول لها شيئا ، وأولاده يتضاربون وهو لا يتكلم . وسمعت ( 4 ) البهاء يقول : ما رأيت أكثر احتمالا منه .
--> ( 1 ) الجبلة : الخلقة ، ومنه قوله تعالى : ( والجبلة الأولين ) ( الشعراء : 184 ) . ( 2 ) من السم - بفتح السين وضمها - وهو نتيجة لما كان يراه الذهبي بين أهل عصره من الضيق بالمناظرة العلمية . ( 3 ) الاشغال : التدريس ، وهو غير " الاشتغال " بمعنى الطلب ، وهذه اصطلاحات معروفة عند المتأخرين . ( 4 ) السماع للضياء ، هو والذي بعده من الحكايات .